أحمد بن محمد الدمشقي ( ابن عرب شاه )

216

عجائب المقدور في نوائب تيمور

فلبت كل أمة دعوة رسولها ، وشنفت بأقراط مراسيمه آذان قبولها ، وحمل كل أسد جوزاء عتاده ، وامتطى جدي بغيه ، وعتد كل ثور سنبلة زاده ، ودلو سقيه ، ودب كل عقرب منهم دبيب السرطان ، وانسابوا انسياب الحوت في بحار العدوان ، مجازفين مظالم العباد بلا كيل ولا ميزان . فأبرد هلال القوس سهم برده بمرسومه إلى كل صماخ ، يخبر أن جند الشتاء على عالم الكون والفساد أناخ ، فليستعد له الكفاءة ، وليحذره العراة والحفاة ، ولا يكتفوا في كفه بكافاته فما كل كاف له كفوا ، لأنه في هذه المرة آية من آيات الله فلا تتخذوا آيات الله هزوا ، وإن قصده بقدومه تبريد الأنفاس ، وتشويظ « 1 » الأنوف والآذان ، وإسقاط الأكارع وقلع الرأس ، وأن فصل الخريف رائد جنوده ، وقائد بنوده ، ونموذج طلعته ، ومرأى عين غلته ، وعنوان مكاتبته ، ومقدمة كتيبته ، ثم زمجر بعواصف رياحه الباردة ، وخيم على العالم بخيام غيومه الصادرة والواردة ، فارتعدت الفرائص من زئيره ، ولاذ كل من الحشرات بقعر جهنمه خوفا من زمهريره ، وخمدت النيران ، وجمدت الغدران ، وارتجفت الأوراق ساقطة من الأغصان ، وخرت على وجهها الأنهار ، جارية من الأنجاد إلى الأغوار ، وتخيست « 2 » الأسود في أخياسها ، وتكنست الظباء في كنانها ، وتعوذ الكون من آفته ، واصفر وجه المكان من مخافته ، واغبرت خدود الرياض ، وذبلت قدود الغياض ، وراح ما كان بها من النضرة والارتياح ، وأصبح نبات الأرض هشيما تذروه الرياح . فاستسمج تيمور لفظات هذه النسمات ، واستبرد نفثات هذه النفحات ، وأمر باعداد لبوس القباب ، واستعداد بركستوانات الجباب ، واتخذ لصفاح الجمد وسهام البرد ، من المبطنات الدرق ، ومن الفراء الزرد ، ثم ضاعف لملاقاة الشتاء مضاعفات اللباس ، وأفرغها على قامة

--> ( 1 ) - الشواظ : اللهب الذي لا دخان فيه . العين ( 2 ) - تخيس الأسد : قبع في غابته .